
أبكيتنا يا " إبن علاو " ॥ أوجعتنا عُمقاً في أقسى لحظات فُراقك ، فكلمةُ وداع تُقال لشخص مُسافر من تهامة إلى تعز ، حيثُ العلاقةُ الأصيلةُ مابين المولد والفتوّة والشباب ، حيثُ تعز من احتضنتك وليداً ، والحديدة من احتضنتك شباباً – إحتضانٌ لا يعوض ، لعملاق لايُعوض أيضاً ولو نُفضت كل رمال اليمن بحثاً عن " علاو " آخر ، فارسٌ فذٌ بحجم الميدان الذي لا يظهر منهُ سوى الأوجاع – وأخطرها !..فقط .. أنت فارقتنا يا فارس " يحي علاو " كلمةُ أستاذ تُقالُ لمعلم في قسم لمحو الأمية وتعليم الكبار ، فارقتنا وإلى الأبد على فرسٍ بيضاء وبين يدك نبراسُ ضياء ، ورأسك عالياً راية فكرٍ وحكمةٍ وثقافةٍ ورؤية ، راية انتصار للحقيقة والحقائق । فارقتنا ومُتجهٌ لك نحو جنةٍ لله نستجدي عرشهُ أن يُهون علينا عذاب فُراقك الفاجع . أما لأنك في جنته ، فكما قال عزوجل " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسولهُ والمؤمنون " وقد عملت أيها المُخلص للوطن ، للأرض ، للإنسان ، للحيوان ، للطبيعة بكل تفاصيلها إذ تجتمع في اليمن ، فليكن وسامك الأعظم والأعلى – الجنــة . في مراتب تليقُ بروحك ، لا الدمُوعُ تكفي لحظة فُراقك في حمل سفينتك ، لا الأوجاعُ بما عمُقت في أرواحنا تجعلنا قادرين على حُبك – نفس الحُب الذي بادلتهُ عامة الناس الضعفاء والبُسطاء والفقراء وذوي الإحتياجات الخاصة . أنت عظيمٌ بحجم زعيم لجميع هؤلاء الذين فقدوك ، أنت كبيرٌ بحجم وطن في قلبك يسكنوك !..أقبّلُ تقديساً قدما تعز " أمـاً " أنجبت كمثلك " علاو " أقبّلُ يدا الحديدة " أمـاً " رعت كمثلك " يحي علاو " وكأني أكرهُ صنــعاء " أمـاً " قاسيةً فتحت باباً مُخضباً بالدم .. فارقتنا منه " الفارسُ اليمني العظيم " يحي علاو " !..فارسٌ امتطى صهوة فرسهِ لها صهيلٌ يُدوي في الريف والحضر والبر والبحر والجبل والجزيرة على مدى 15 عاماً ، والآن ترجل !.. الآن فارق .. فلمن أبقيت الفرس ؟.. لن تُجيب ، تواضعاً منك بأن الفرسان كثير ، وأن الأبطال كثير ، لكن الحقيقة أنك نادر – الحلُ الصعبُ في الإختبار الأصعب ، للسؤال الصعب !..أتُفارقُ يا " يحـي " ، أيها الفارسُ المجيد ؟.. أتترك ورائك المكلومون ، الموجوعون ، " الجــرحى " وضحايا الحب !.. إلتفت ورائك لترى " تهامــة " .. إنها أمك ، البحرُ والرملُ والجبلُ والبشر ، إلتفت ورائك لترى " زبيد " التاريخ مدينة العلماء ، إنها تُشبهك ، كلاكما زاخران بالعلم والأدب والفكر والثقافة . إلتفت نحوي فأنا أناديك من " زبيد " سألتُها عنك فقالت : أنها احتضنت " يحي علاو " يوماً وأرضعتهُ الأدب والبلاغة والنحو . " يحي علاو " الذي مات في صنعاء فأعجز كثير من أهل النحو والبلاغة والصرف في رثائه !.. كلهم جلسوا عشاءً يبكون فقط !.. ويهلون على وجهك الوضاء وجسدك الطاهر – التراب !.. بعد أن طبعوا على جبهتك الشامخة – قبلة الفراق الأخير !..أناديك أخي " يحي " من " زبيد " غربها بقليل من الكيلومترات " المغرس " حيثُ تربط فرسك على الشاطئ وبين أشجار النخيل كل رمضان ، تنشرُ الثقافة ، تُعمم الفائدة ، تعد المسابقات المُختلفة ، تُعدُ فرسان آخرين في الميدان ، الوجوهُ السمراء ، القلوب والأفئدة الرقيقة ، أحفادُ من جاءوا يوماً في التاريخ قبل 1400عام إلى الرسول في المدينة مؤمنين به – بالرسالة !..هذه الأماكن التي لم تعرف التلفزيون والكاميرا والظهور على العالم يوماً سوى عندما جئتها " فارساً في الميدان " وفي يده نبراس ضياء ، ورأسهُ راية الفكر والثقافة الإبداع ، هذه الأماكن لن يأتها أخرى " علاو " كما العادة ، لن يُوزع فيها ابتسامتهُ الأنيقة كما العادة ، لن يربط فرسهُ بين نخيلها كما العادة ، ولن تُصور فيها كاميرته الوجوه السمراء والرمال الذهبية والأمواج الدافئة وطلع النخيل – كما العادة !..جميعُ الناس ، الصحافيون ، الإعلاميون ، الأدباء ، الشعراء ، المثقفون ، البُسطاء العظماء ، العسكريون الذين تذهب إليهم بفرسك حيث بعيد الجزر والشواطئ – يبكون الآن – وأنا أبكي وصدري مُبتلٌ بالدموع أخي " يحي " فماذا سأفعلُ بدمعي ؟.. أو إذا صرختُ قوياً ماذا سأفعلُ بصرختي ؟.. هل سأجتذبك نحوي الآن لتعود !.. فانا عاجزٌ عن ذلك وعاجزٌ جداً ، وأعلنُ عجزي مع رغبتي في ذلك ، أن أستعيد بشراً كما الأنبياء في حياتهم ، رجُلاً كما العظماء في ميزاتهم وخصائصهم !.. فارسٌ ترجل أخيراً عن صهوة فرسهِ ليتركها تبكي وحيدةً في ميدانٍ واسعٍ وكبير ، معاركهُ كثيرة ، وفُرسانهُ قليل !..الفارسُ العظيم ، الاخُ الكريم ، التاريخُ السليم ، الفقيد العزيز الجميلُ والقدير " يحي علاو " سامحني على أن لم أستطع حتى في هذه اللحظة – أن أكتب شيئاً في رثائك ، وأن أثرثر كما العادة ، مُصابٌ بالبكم !.. وإن ظلت دُموعي تهطلُ على " قبرك المقدس " .. لكنها لا تكفي أيضاً !..يكفيني شرفاً واعتزازاً على أن اجتمعتُ بك هنا بعد تلك ، حيثُ الرمالُ التي جعلتني ومعك على شكل صورةٍ واحدة – وسيظلُ الحبُ واحداً إلى أن القاك قريباً !..
أخاك / عبد الرحمن رامي الأهدل – مراسل صحيفة " النداء " بالحديدة .
الجمعة / 19 يونية / 2010 للميلاد



